ملا محمد مهدي النراقي

95

جامع السعادات

فإن قيل : ما ذكرت لا يفيد أزيد من أن العمل إذا كان مع النية يكون كل من العمل والنية خيرا وذا ثواب ، وإذا كان بدونها لا يكون خيرا ولا يكون له ثواب ، والمقصود كون النية خيرا من العمل في الصورة الأولى وكون ثوابها أعظم ، ولم يظهر وجه الخيرية مما ذكرت . قلت : ذلك وإن ظهر إجمالا ، إلا أنه لا بد لتوضيحه لتظهر جلية الحال ، فنقول : الوجه في كون النية خيرا من العمل وراجحة عليه في الثواب : أنه لا ريب في أن المقصود من الطاعات شفاء النفس وسعادتها في الآخرة وتنعمها بلقاء الله - سبحانه - ، والوصول إلى اللقاء موقوف على معرفة الله وحبه وأنسه ، وهي موقوفة على دوام الفكر والذكر الموجبين لانقطاع النفس من شهوات الدنيا وتوجهها إلى الله - سبحانه - ، فإذا حصل بمجرد المعرفة الحاصلة من الفكر ميل وتوجه إلى الله - تعالى - كان ضعيفا غير راسخ وإنما يترسخ ويتأكد بالمواظبة على أعمال الطاعات وترك المعاصي بالجوارح لأن بين النفس وبين الجوارح علاقة يتأثر لأجلها كل واحد منها عن الآخر ، فيرى أن العضو إذا أصابته جراحة تتألم بها النفس ، وإن النفس إذا تألمت بعلمها بموت عزيز أو بهجوم أمر مخوف تأثرت الأعضاء وارتعدت الفرائص ، فالطاعات التي هي فعل الجوارح إنما شرعت للتوصل بها إلى صفة النفس - أعني التوجه والميل إلى الله سبحانه - ، فالنفس هو الأصل المتبوع والأمير ، والجوارح كالخدم والأتباع ، وصفات القلب هي المقصود لذاتها ، وأفعال الجوارح هي المطلوبة بالعرض ، لكونها مؤكدة وموجبة لرسوخ النفس - أعني الميل والنية والتوجه - ولا ريب في أن ما هو المقصود بالذات خير مما هو مقصود بالعرض ، وثوابه أعظم من ثوابه . ومن المعاني الصحيحة للحديث : إن المؤمن بمقتضى إيمانه ينوي خيرات كثيرة لا يوفق لعملها ، إما لعدم تمكنه من الوصول إلى أسبابها ، أو لعدم مساعدة الوقت على عملها ، أو لممانعة رذيلة نفسانية عنها بعد الوصل إلى أسبابها ، كالذي ينوي إن آتاه الله مالا ينفقه في سبيله ، ثم لما آتاه يمنعه البخل عن الإنفاق ، فهذا نيته خير من عمله ، وأيضا المؤمن ينوي دائما أن